مقال: سيبقى الباب مفتوحاً حتى تعود
|
 |
 | 18-12-1423 هـ
كانت تتلفت نحو الفضاء الموشح بالغمام .. تراقب الشمس الهاربة من الضجيج لتنشد الدفء خلف الأفــق .. ترتفع نظراتها فوق أجنحة طائرٍ مهاجر .. لتغط معه على شراعٍ يعبر قلبها .. تجاه أفكارٍ لا زالت حيةً في رأسها منذ زمنٍ بعيد ..
كلما حدقت في ذلك الطائر تعود إلى أيام طوتها الذاكرة بين ثناياها .. حين كان ابنها الوحيد مرتمياً بين أحضانها يبكي أباه الذي سقط شهيداً أمام عينيه ، على أرضٍ أثقلتها الجراح والدماء .. كانت تحاول أن تهدئ من روعه .. رغم الآلام التي راحت تمزق كيانها .. كانت تبكي بصمتٍٍ موجع أحال قلبها النابض بالدم قلباً ينبض بالآهات والأحزان في زمنٍ غادره الفرح وبدت مملّةً فيه الأشياء ..
النجوم تشتد سطوعاً في سماء القدس الحزينة .. وبدا القمر أكثر شحوباً .. لم تبق سوى سويعاتٍ ويطلع الفجر .. وهاهو صغيرها يستسلم للنعاس الذي راح يداعب أجفانها أيضاً، فارتمت قربه وراحت في سباتٍ عميق ..
في ساعةٍ مبكرةٍ من الصباح .. استيقظت هي وابنها مفزوعين إثر طرقٍ شديدٍ على الباب .. هبّت مسرعةً لتفتحه .. وما إن فعلت حتى اندفع جنود العدو إلى الداخل .. وأخذوا يدوسون ويكسرون كل ما يعترض طريقهم .. هرعت إلى ابنها الذي امتلأ قلبه الصغير رعباً وخوفاً وضمته بقوةٍ إلى صدرها ...
عندما همّ الأعداء بالخروج .. استوقفهم قائدهم .. وأشار إلى الصبي الصغير .. وتمتم بكلمات لم تفهمها إلا بعد حين .. انصاع جنديان لأوامر القائد واتجها إلى الزاوية التي يقبع فيها الصغير و أمه.. وانتزعوه بقوةٍ من بين أحضانها .. راحت تصرخ لكن أحدهم وجه بندقيته نحوها ودفعها بقوة وضربها بقسوة إلى أن أخرجوا الصبي الذي أخذ يستنجد بها : أماه .. لا تدعيهم يأخذوني .. أماه..أمـ..وسكن صوته في أذنيها .. عندما غاب ظله عن ناظريها..و شعرت بالأرض تدور بها .. تهتز تحت قدميها..
نظرت إلى السماء المثقلة بالغيوم والمطر .. انبجست دموع عينيها تشبه مطراً حزيناً راحت تتساقط بصمت .. وانسابت الكلمات من شفتيها.. ونزفت جراحات قلبها.. ولاحت ذكريات ماضيها.. وانطلقت من أعماقها آهاتٌ تلو الآهات : آه .. ما أقسى هذا الزمن المرير وما أشد هذه اللحظات هولاً .. كيف تتحطم الأشياء الجميلة وتهرب من هذا العالم .. ليظهر الشيطان يعربد ويدمر .. بالأمس قتلوا شريك حياتي .. واليوم سلبوا مني الأمل الذي أحيا من أجله .. أطفئوا شمعة عمري .. و ضيعوا من بين يدي تعب سنين .. أخذوا ابني وتركوني وحيدةً أصارع الآلام .. تركوني أعيش حلمي بعودة ابني .. تركوني !.. لتحرقني جذوة الشوق إليه .. لتعتصرني مرارات البعد عنه .. ما زالت أصداء كلماته الأخيرة ترن في أذني .. ولا زلت أتخيل وجهه الساكن في قلبي .. ونظراته الحزينة التي انطبعت في عينيّ .. وآهاته الموجعة التي انسابت على شفتي .. أراه في كل لحظةٍ يناديني .. يطلب مني انتظاره فهو سيعود إلى أحضاني يوماً ما .. لذا سأبقي باب الدار مشرعاً حتى يعود .. ولكن بني !.. حين يحتضن جسدي التراب قبل أن تعود فلا تنسَ أن تزورني لأني سأبقى بانتظارك حتى في ظلمات القبر .. أسمعتني بني ؟! .. أسمعتني ؟! .. آآآه ..
الشمس تسافر في بحر السماء .. تجنح نحو الغروب تبهت أشعتها .. وما زالت تلك الأم تنتظر ابنها منذ أكثر من أربعة عشر عاماً على أنقاض منزلها المحترق .. وأصعب شيء أن ينتظر المرء إنساناً لا يعرف متى سيعود .. لكأن الزمن يتوقف فتصبح الساعة عاماً واللحظات شهوراً ..
بقلم زائر للمجلة
| |
تقييم المقال |
 |
المعدل: 4.25 تصويتات: 12

|
|
|